بقلم ملاك درويش : أزمة الضّمير المهنيّ وصراع الحقوق

 

مرّ يومان على الإضراب الّذي أعلنته رابطة أساتذة التّعليم الثّانوي في القطاع الرّسميّ في لبنان، متسلّحة بالحقوق المجهولة المصير، ومساندة للإضراب المفتوح الّذي أعلنته رابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللّبنانيّة منذ أربعة أيّام.. غير أنّ الإشكاليّة الّتي تنطرح على بساط البحث هي:
• أين موقع الضّمير المهنيّ -في ميدان التّربية والتّعليم- من هذه التّدابير؟
بدايةً، ما أثار حفيظتي التّشرذم القائم في عماد مؤسّسة وطنيّة تربويّة واحدة، فإذ بآراء تفوّضُ السّلطة بأحقّيّة التّصرّف بحقوق الموظّفين بداعي الوضع الاقتصاديّ المتردّي، وتجلدُ أصوات الثّائرين بعبارات التّهكّم تارةً، وشعارات ضبابيّة الضّمير المهنيّ تارةً أخرى. ولم ترسخْ في مسمعي إلّا عبارة تعسفيّة يتيمة وقعت سهوًا على لسان لاوعيّ أحد الأساتذة:
• المؤسّسات الّتي يُنتهك نظامُها بالإضرابات المتتالية، ولاسيّما المفتوحة، يجب أن يُقالَ موظّفوها. فالّذين يبحثون عن وظائفَ كثر..
وتكمنُ خلف كلمات تلك العبارة جدلّية شائكة تتمثّل بالحقّ والواجب، وتحاكي في أبعادها مفهومي الالتزام والإلزام. وهذا التّداخل يعود إلى تعريف المفهومين الأخيرين كما جاء في “المعجم الوسيط”: فالإلزام من الفعل لزِمَ، ولزم الشيء أي ثبت ودام، لزم الشّيء فلانًا أي وجب عليه… أمّا الالتزام فمن الفعل التزم، والتزم الشيء أي أوجبه على نفسه…
في ضوء ما ورد، تنجلي حقيقة مفادها أنّ الإلزام قائمٌ على الفرض والواجب، مقابل الالتزام القائم على مسؤوليّة الخيار والقرار وإن كان مشروطًا، فالنّاموسُ مطلوبٌ في شتّى الميادين لئلا تحيد عن الصّواب. وبناءً على ذلك، هل يعدّ الضّمير المهنيّ ملزمًا بحرفيّة النّاموس؟ أم ملتزمًا بجوهر المهنة الّتي يمثّلها؟
فإذا ذهبنا، إلى ناموس مهنة التّعليم نجد أنّه ملزمٌ بأداء مهمّته، بينما إذا نظرنا إلى جذور التّعليم وأعماقه نجده يترجم التربية في أبعادها الإنسانيّة، وما هي تلك الأبعاد إلّا القيم والمفاهيم الّتي ترقى بالإنسان عن الحيوان. لذا، من يفقد حقوقه المشروعة، يفتقد تاليًا ميزته الإنسانيّة، وعنئذٍ يتنحّى الضّمير جانبًا ناعيًا أصحاب الحقّ، ومستهزئًا من دعاة الواجب.
فالتّعليم ليس كرّاسة وصبّورة، ومنهجًا وتقويمًا فحسب. إنّما هو الدّليل الّذي يُرشد سالكيه إلى طريق الحقّ والخير، والصّلاح، بغية إعلاء القيم والمبادئ الإنسانيّة.
لكن، أنّى لنا أن نعزّز تلك الخاصيّة في ظل مقولات تنتهك واجب الأستاذ في الدّفاع عن حقوقه؟! بل كيف سيفيق الضّمير المهنيّ إزاء سياط النّواميس الّتي تحرق جوهره وتعرّيه كيفما أرادت؟!
ولنقل: لمَ لا يُطبق النّاموس بحذافيره ويُعطى كلّ ذي حقّ حقّه؟! أم أنّ الحرفيّة هنا لا تُجدي نفعًا؟!
ختامًا، يقُال إنّ فاقد الشيء لا يعطيه. فكيف للمعلّم أوالموظّف أن يؤديَ واجبه وحقوقه قيد الافتراس؟! فلنتركِ السّؤال لأصحاب الضّمائر كي يحاولوا الإضاءة على جانبٍ من جوانبه الآخذة بالاستجلاء.

**********

بقلم الزميلة “ملاك درويش”

“أستاذة تعليم ثانويّ”

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المعالجات مؤقتة فهل أصبحنا في أزمة حكم؟.. غاصب المختار

Share this on WhatsAppلا تمرّ أزمة بين فريقَين سياسيَين على خير حتى تنفتح أزمة جديدة ...