التسنيد في مواجهة المجهول بفعل “التشريع” الوزاري ..كريم ضاهر

 

 

في زمن الركود الإقتصادي والعجز المالي والإستحقاقات الداهمة وقرع طبول الإنهيار، حيث تجد الدولة نفسها ملزمة بالمبادرة السريعة وابتكار حلول ناجعة قبل سقوط الهيكل وسوق البلاد مكبلة لا محال إلى نادي الدول الهشة (fragile state) أو الفاشلة (failed state) الموضوعة تحت وصاية صندوق النقد الدولي والدول المانحة أو المقرضة بهدف إدارة الأزمة وفرض إصلاحات وشروط صعبة ومؤلمة، تطالعنا وزارة المالية أخيراً (ومن المرجح أن لا يكون آخراً) بقرارٍ أقل ما يقال عنه أنه يتجاوز بصورة فاضحة حد السلطة وقد يترتب عن تنفيذه نتائج قانونية ضارة للقطاع التمويلي ولبيئة الأعمال التي يُفترض، بدلاً من معاقبتها، تحفيزها وحمايتها وجعلها جاذبة لتحريك النمو وخلق فرص عمل وإعادة تحريك العجلة الاقتصادية؛ مع ما يستتبع ذلك من رفدّ الخزينة بإيرادات ضريبية هي أحوج ما تكون إليها اليوم. وهذا القرار هو القرار رقم 139/1 تاريخ 12 آذار 2019 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 21 آذار 2019 والمتعلق بتحديد دقائق تطبيق أحكام المادة 41 من القانون رقم 705 تاريخ 9/12/2005 (قانون تسنيد الموجودات). وقد “أفتى” هذا القرار من جملة ما أفتى به أن الصناديق المشتركة للاستثمار بعمليات التسنيد تكون خاضعة للضريبة على القيمة المضافة مع إلزامية التسجيل لدى مديرية الضريبة على القيمة المضافة عندما تتوفر شروط الخضوع “كونها من الأشخاص المكلفين بالضريبة …وتخضع عمليات التسنيد التي تقوم بها للضريبة على القيمة المضافة”. كما وإعتبر إضافةً في السياق عينه “أن الأرباح أو الفوائد التي يدفعها “الصندوق أو “البنية القانونية” لحملة شهادات التسنيد أو لحملة سندات الدين بإستثناء المؤسسات المصرفية والمالية منهم، تخضع لضريبة الباب الثالث من قانون ضريبة الدخل بمعدل 10% لدى “الصندوق” أو “البنية القانونية”.

ولن نبالغ هنا إن قلنا أن التفسير المعطى من قبل الإدارة بالنسبة للمسألتين المذكورتين يمكن وصفه بالعمل الإداري الضار القابل للطعن عن طريق الإبطال لتجاوز حد السلطة، ذلك أنه يتمتع بقوة التنفيذ ومن شأنه إحداث الضرر بذاته بالنظر إلى كونه ينشىء وضعية قانونية أو يلغيها أو يعدلها بخلاف ما هو منصوص عنه قانوناً أو حتى إجتهاداً؛ حيث ألزم الصندوق: “على الخضوع والتسجيل لدى الضريبة على القيمة المضافة عندما تتوفر لديه شروط الخضوع” كما وأخضع عمليات التسنيد للضريبة المذكورة. هذا، وقد أخضع القرار المتظلم منه أيضاً الفوائد التي يوزعها الصندوق إلى ضريبة الباب الثالث بعدل 10% (بدلاً من 7% راهناً) وألزم الصندوق بالتصريح على أساسه. كل ذلك، ناهيك عن أرجحية معاقبة وتكليف الأوضاع السابقة في حال كان قد سبق وجرى التنفيذ بخلاف هذا الرأي؛ مما يطعن، والحال هذه، بالإستقرار القانوني. وأكثر من ذلك، فإن هذا القرار هو مثال القرار الذي تخرج فيه السلطة عن إختصاصها وتتعدى على حقوق مشروعة دون أي مبرر أو وجه حق، بشكل أنه يستحيل إسناده الى أي حكم من أحكام القانون؛ وقد جاء متعدّياً على أبسط الحقوق التي تستمدها الوزارة من القانون كما سوف يصار إلى تبيانه فيما بعد. ومن المعترف به أن القرار الذي يشكل تعدّياً Voie de fait يكون قابلاً لإعلان إنعدام وجوده بسبب خروجه عن القانون بصورة فادحة.

والدليل على ذلك، بالنسبة للإشكالية الأولى المتمثلة بإخضاع الصندوق وعمليات التسنيد على حدٍ سواء للضريبة على القيمة المضافة، هو أن الصندوق يُعتبر ذمة تخصيص مالية منفصلة ومستقلة لا تتمتع بالشخصية المعنوية، وهو منشأ فقط لتحقيق الغاية التي تتم بواسطة المدير الذي يؤمن إدارة هذه الذمة (المادة 3 من القانون رقم 705/2005). وتأكيداً على ذلك، فقد نصت المادة 10 من القانون على أن تناط إدارة الصندوق بإحدى الشركات المحددة هويتها وطبيعتها مع التركيز على أن المدير يمثل الصندوق تجاه الأشخاص الثالثين وأنه يجوز له المرافعة والمدافعة أمام المحاكم لحماية حقوق أو مصالح مالكي الحصص (البند 3).

كما أن مجرد العودة إلى ما تضمنه قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 379 تاريخ 14/12/2001 لهذه الجهة ونصوصه التطبيقية يكفي لتأكيد القاعدة المذكورة وتكريس الإعفاء. فقد حدد القانون المذكور نطاق تطبيق الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة إلى كل من العمليات الخاضعة للضريبة والأشخاص الخاضعين لها بحيث أخضع للضريبة عمليات تسليم الأموال وتقديم الخدمات لقاء عوض التي تتم داخل الأراضي اللبنانية من قبل كل شخص طبيعي أو معنوي يمارس نشاطاً اقتصادياً بصورة مستقلة. أي، بمعنى آخر، كل شخص يتمتع بالشخصية المعنوية التي لا يتمتع بها الصندوق أصلاً. أما بالنسبة إلى الشرط الثاني، أي أن يكون النشاط خاضعاً، فلقد لحظت المادة 16 من القانون رقم 379/2001 بعض الإعفاءات الصريحة من الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لنشاطات معينة ومنها الخدمات المصرفية والمالية (البند 4)؛ مع العلم أن أعمال الصندوق وعملياته هي بطبيعة الحال أعمال مالية مرخصة وموضوع مراقبة وتنظيم من قبل مصرف لبنان الذي يمنح الترخيص لإنشاء وترويج وإدارة أي صندوق مشترك للإستثمار بعلميّات التسنيد. وقد نصّ البند الأول من المادة الثالثة من المرسوم رقم 7485 تاريخ 27/2/2002 (المعدّل بموجب المرسوم رقم 11359 تاريخ 24/4/2014)، المتعلق بدقائق تطبيق أحكام البند 4 من المادة 16 المذكورة، على أن الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة يشمل جميع “عمليات منح وإدارة التسليف وإصدار سندات الدين” كما و”العمليات المتعلقة بالسهم، حصص الشراكة والسندات”؛ هذا فضلاً عن إعفاء “إدارة صناديق الإستثمارات”؛ مما يعني والحال هذه أن الإعفاء شامل إن لجهة “الصندوق” أم لجهة “المدير” وبأنه لا يترتب التكليف والتسجيل على أي منهما بالنسبة للضريبة على القيمة المضافة، أقله لهذه الجهة.

ولا تضير الإشارة هنا إلى أن حالتي التفريق والتكليف العائدتين لهيئات الإستثمار الجماعي والصناديق التي تتعاطى عمليات التمويل والتسنيد، إن لجهة تمتعها بالشخصية المعنوية أم لجهة إعفائها من الضرائب والرسوم أو تكليفها بها وإخضاعها للموجبات الضريبية الملازمة،  ليست حديثة العهد ولا خاصة بالتشريع اللبناني حصرياً؛ بيد أن دول عديدة منتمية إلى الإتحاد الأوروبي مثلاً، كفرنسا وبلجيكا وللوكسمبورغ، فضلاً عن المغرب، قد إعتمدت هذا التمييز وأقرت بخيار إنشاء الصندوق على شكل ذمة مالية شائعة تديرها شركة مالية متخصصة وتكون مدته (أي الصندوق) محددة بمدة تنفيذ عملية التسنيد الجارية، وهو وفقاً للتشريعات المذكورة غير خاضع لضريبة الشركات كما وللضريبة على القيمة المضافة شأنه شأن المعاملات والعمليات التي يقوم بها مباشرةً أو يقوم بها الغير لصالحه كأعمال الإدارة مثلاً. وقد أكدت المحكمة الأوروبية (CJCE) هذا المنحى ووسعته بموجب قرار صادر عنها بتاريخ 4/5/2006 (C-169/04) للتوفيق والتكييف مع التعليمات الأوروبية وسيما السادسة منها الصادرة في 17/5/1977 ورقم 85/611/CEE تاريخ 20/12/1985. هذا وقد حذى الإجتهاد اللبناني هذا الحذو عندما أصدر القرارين رقم 180 و181 تاريخ 29/11/2016 مؤكداً فيهما على “أن تفسير النصوص الضريبية يوجب إعتبار أن عملية تسنيد الموجودات …هي من العمليات المالية والمصرفية المعفاة من الضريبة على القيمة المضافة” مرتكذاً لذلك على “نيّة المشترع  ومن تفسير النصوص القانونية بصورة متوافقة بعضها مع بعض وتوفيق النص المطلوب تفسيره مع سائر النصوص المتعلقة بذات الموضوع أو بمواضيع متشابهة”. بيد أن القانون رقم 705/2005 يعتبر نصاً خاصاً وهو لاحق لقانون الضريبة على القيمة المضافة بحيث يتقدم تطبيقه عليه وأن المادة 41 منه فقرتها الأولى قد نصت على إعفاء “الصندوق” و”البنية القانونية” وجميع المعاملات والعمليات المتعلقة بهما من جميع الضرائب والرسوم المنصوص عنها في القوانين العامة والخاصة إلا بما إستثنى صراحةً من هذا الإعفاء” (وهذا ما هو غير متوفر في الحالة المعروضة).

هذا من جهة،

أما من جهة ثانية، وبالنسبة لإخضاع الفوائد التي يدفعها “الصندوق” لحملة سندات الدين لضريبة الباب الثالث من قانون ضريبة الدخل بمعدل 10%، فيمكن تبيان المخالفة الإضافية التالية:

بالفعل، يقتضي التمييز هنا ضريبياً بين فئتين من الأوراق المالية والحقوق التي تصدرها الصناديق في طور عمليات التسنيد التي تزاولها بصورة رئيسية وأساسية وهي: شهادات تسنيد ممثلة لحصص ملكية شائعة (شبيهة بالأسهم)، من جهة، وسندات دين (Bonds/Obligations) مسندة إلى الذمة المالية، من جهة أخرى. مع العلم أن لعائدات الفئة الأولى السابقة الذكر صفة الأرباح الموزعة بمفهوم المادة 72 مكرر من قانون ضريبة الدخل وتخضع للضريبة العادية على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة بنسبة 10%، بينما تدخل إيرادات الفئة الثانية ضمن التصنيف الضريبي المعطى في المادة 51 من القانون رقم 497/2003 وقراره التطبيقي رقم 403/1 تاريخ 30/1/2003 بالنسبة للضريبة الواجب تطبيقها على سندات الدين وتخضع بالتالي لضريبة معدلها راهناً 7%. كما تقتضي الإشارة هنا، إذا لزم ولإزالة كل لبس أو التباس أو إبهام عند الاقتضاء، إلى أن الفوائد التي تدفعها الصناديق لا تُصنّف ضمن خانة التوزيعات إنّما هي مشابهة لتلك التي تدفعها المصارف فهي محددة المعدل وذلك على غرار سندات الدين الصادرة التي تكون محددة الأجل. هذا فضلاً عن أنّ دفع الفائدة قد يتمّ في حالات يكون فيها حساب النتيجة خاسراً أي أنّ الصندوق يتكبّد خسائراً.

وقد تم التأكيد على كل من التوصيف والتقسيم الآنفي الذكر، بموجب المواد 3 و4 و5 من القانون رقم 705/2005. إذ اعتبرت المادة 4 كل حامل لشهادة تسنيد عائدة للصندوق حاملاً بالصفة ذاتها للحصة التي تمثلها هذه الشهادة والتي يمكن أن تصدر بشكل إسمي أو لحامله وهي قابلة للتفرغ؛ مما يضفي على صاحبها صفة الشريك في الشيوع على عكس الشخص الحامل لسند دين يصدره الصندوق عملاً بأحكام المادة 5 اللاحقة، والذي يتقاضى فوائد محددة النسب تدفعها له الصناديق وهي لا تصنّف (أي الفوائد) ضمن خانة التوزيعات إنّما هي مشابهة لتلك التي تدفعها المصارف كونها محددة المعدل والأجل بالإضافة إلى أنّ دفع الفائدة قد يتمّ في حالات يكون فيها حساب النتيجة خاسراً أي في الحالة التي يتكبّد فيها الصندوق خسائر… بدليل أنها مسندة إلى كامل ذمة الصندوق المالية أو إلى جزء منها ومتمتعة بحق ارتهان عام. كما ونصت أيضاً المادة 5 على أن “يحدد نظام “الصندوق” خصائص السندات كما يحدد الحقوق المرتبطة بها والدرجات والافضليات والاولويات الخاصة بكل منها وفئاتها وتسلسلها اذا وجدت”.

هذا، ومع العلم أنه ينبغي دوماً بالقرارات الإدارية ألا تضيف شيئاً جديداً إلى القانون أو المنظومة القانونية وإلا تضحو قابلة للطعن بالإبطال لتجاوز حد السلطة في لو مست بأوضاع الأفراد القانونية والمادية. ناهيك عن أن القرار الإداري الذي يضيف شروطاً غير ملحوظة في القانون من أجل الاستفادة منه، كما هي الحال بالتحديد بالنسبة للقرار رقم 139/1 تاريخ 12/3/2019، فإن مثل هذا القرار يكون متّسماً باللاشرعية ومستوجباً الإبطال (الرجاء مراجعة مجلس شورى الدولة في هذا الخصوص: قرار رقم 635/2009-2010 تاريخ 29/6/2010).  والدليل على ذلك، ما ورد في المادة التاسعة من القرار الآنف الذكر لجهة إعتبار “أن الأرباح أو الفوائد التي يدفعها “الصندوق أو “البنية القانونية” لحملة شهادات التسنيد أو لحملة سندات الدين بإستثناء المؤسسات المصرفية والمالية منهم، تخضع لضريبة الباب الثالث من قانون ضريبة الدخل بمعدل 10% لدى “الصندوق” أو “البنية القانونية”؛ فيما لو عدنا إلى حرفية نص البند 4 من المادة 41 من القانون رقم 705، الذي ادعى القرار تحديد دقائق تطبيقه، فقد ورد فيه أن ” تخضع لضريبة الدخل (الباب الثالث من قانون ضريبة الدخل) الارباح التي يوزعها في اي وقت «الصندوق» أو«البنية القانونية»”؛ وذلك، دون أي ذكر أو إشارة إلى الفوائد أو لحملة سندات الدين، مما يشير إلى تعمد وزارة المالية، عن سابق تصور وتصميم، إضافة الفوائد على النص (ناهيك عن حملة سندات الدين) لإخضاعها لنفس نسبة ضريبة التوزيعات بدلاً من الضريبة المترتبة على الفوائد.

ومن شأن هذا التفسير العريض أو بطريقة التوسيع (interprétation extensive) أن يشكل ايضاً لا محال، فضلاً عن ما تقدم وجرى تعليله، خرقاً فادحاً لمبدأ موازاة الأشكال والصيغ المتعارف عليه والمكرس عرفاً وقانوناً وإجتهاداً (Parallélisme des formes et des compétences) إذ أنه لا يمكن التكليف بدون نص تشريعي صريح. كما أن قواعد تفسير القوانين الضريبية الخاصة تقتضي في مطلق الأحوال الأخذ بالنظرية التي تبدو أضمن للمواطن وأكثر احتراماً لمبدأ فصل السلطات والتي تمنع التعسف في التفريق بين أنواع القوانين والنصوص (يراجع بهذا الخصوص أيضاً: قرار مجلس شورى الدولة اللبناني رقم 538، تاريخ 25/10/1957، مجموعة إدارية 58، صفحة 6)؛ وقد أكد قانون الإجراءات الضريبية الجديد رقم 44 تاريخ 11/11/2008، في مادته 10-3، هذا المنحى لجهة منع التعسف والإساءة لمصالح المكلفين. كما انه من المسلم به، نصاً وفقهاً وإجتهاداً، أن لكل سلطة إختصاصها وصلاحيتها وفقاً للأحكام القانونية، وأنه يستحيل أن تعتدي سلطة ما على صلاحيات وإختصاصات سلطة أخرى، أكانت أعلى أو أدنى درجة أو مساوية لها، بحيث يبطل القاضي الإداري العمل الإداري المشكو منه في حال صدوره عن سلطة غير مختصة أو غير صاحبة إختصاص، سواء بالنظر إلى الوظيفة الإدارية لتلك السلطة أم بالنظر إلى ماهية وطبيعة العمل الإداري بحد ذاته. وعليه، تكون وزارة المالية، بإتخاذها القراررقم 139/1على النحو الذي صدر فيه، قد إعتدت بصفتها كسلطة إدارية على صلاحيات وإختصاصات السلطة التشريعية بحيث كان يقتضي عليها إقتراح مشروع قانون تعديلي أو أقله تضمين قانون الموازنة “المنتظر” هذا التعديل ليصار إلى البت به في مجلس الوزراء ومن ثم تحويله إلى مجلس النواب لدراسته وإقراره أصولاً.

أما إذا أردنا أن نسلم جدلاً (للدلالة والنقاش ليس إلا) بصورة إستطرادية، بأحقية دمج توزيع الأرباح والفوائد معاً ضمن البند 4 من المادة 41 كما جاء في القرار رقم 139/1 المذكور، فمن المفيد هنا التذكير بأن أحكام المادة 51 من القانون رقم 497/2003 قد أُدخلت وأُدرجت أحكامها تحت الباب الثالث من قانون ضريبة الدخل بعد العنوان الرئيسي (الضريبة على دخل رؤوس الاموال المنقولة) وتمهيداً قبل أحكام المادة 69 مع عبارة واضحة تفيد بأنها “اضيفت هذه التعديلات الى الباب الثالث وفقاً للمادة 51 الواردة في القانون رقم 497 (قانون الموازنة لعام 2003) تاريخ 30/1/2003″؛ مما يفضي بالنتيجة إلى الجزم والتأكيد بأن الباب الثالث يتضمن، منذ سنة 2003، نسبتي ضريبة مختلفتين على دخل رؤوس الأموال المنقولة، تطبقين وفقاً للحال أي 10% و5% (التي أصبحت 7% بموجب المادة 17 من القانون رقم 64/2017). ولعلّ صياغة نص البند 4 من المادة 41 من القانون رقم 705 الصادر سنة 2005، اي بعد التعديل المذكور، بالشكل المبهم الظاهر فيه، لربما هدفها التأكيد على تعدد معدلات ضريبة الباب الثالث الواجبة التطبيق على التوزيعات التي يجريها “الصندوق” أو “البنية القانونية” في طور عمليات التسنيد التي يمارسها؛ وليس بالتالي، حصرها بمعدل ال10% المعوّل عليه من قبل الوزارة.

إنطلاقاً مما تقدم، يكون القرار رقم 139/1 تاريخ 12/3/2019 الصادر أخيراً عن وزارة المالية مستوجباً الطعن فيه ضمن مهلة الشهرين القانونية التي حددتها المادة 69 من نظام مجلس شورى الدولة مع طلب الإبطال كونه قد خالف نصوص ومبادئ قانونية هامة جداً كما ولإغفاله نصوص قانونية أخرى رغم أهميتها وتأثيرها المباشر على الحل القانوني الذي يعطى للمسائل التي تناولها. لا بل قام بتفسير النصوص القانونية المرعية الإجراء بشكل مخالف لنية المشترع وشرع ونظم أوضاع دون وجه حق وفرض موجبات وتدابير ضريبية جزافاً وبالإستناد إلى قرار إداري فردي غير شرعي وغير دستوري، يقتضي الرجوع عنه لتجاوزه حد إستعمال السلطة؛ سيما وأن القانون لم يول وزارة المالية، في هذه الحالة المعينة، سلطة تفسير النصوص والتصرف بالإعفاء بدليل عدم ورود نص في نهاية المادة 41 يوصي بقرار يتخذه الوزير لتحديد دقائق تطبيق هذه المادة كما هي الحال عادةً بالنسبة لنصوص غير مكتملة التفاصيل وبحاجة للتفسير والتوضيح. كما يصح القول أيضاً بأن هذا الخطأ القانوني يشكل تجاهلاً لنطاق تطبيق القانون وهو سبب إضافي للإبطال متعلق بالإنتظام العام.

ومن المفيد أخيراً لفت الإنتباه، إذا لزم، إلى أن القرار رقم 139/1 المُتظًلم منه قد يؤدي، ومن حيث لا تدري ولا ترغب وزارة المالية، إلى تعطيل مفعول وأهداف نصوص تشريعية (المادة 16(4) من القانون رقم 379/2001 والمادة 41 من القانون رقم 705/2005) لجهة تحفيز بعض الأدوات كالتسنيد لتنشيط السوق المالية وتمويل النشاطات والإقتصاد الوطني على حد سواء. ولا نخال الإدارة ترغب ذلك أو تحبذه وخاصةً في ظل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية المأساوية الراهنة وفي ظرف غير ملائم يمنع فرض الأعباء والضرائب الجديدة أو زيادتها أو تقييض سبل التمويل بل يوجب بالمقابل مضاعفة الواردات وتأمين الموارد التي لا يمكن توريدها إلا عن طريق إعطاء انطباع إيجابي عن الحوكمة يوحي بالثقة وتحفيز الأعمال والمشاريع وتنمية الإقتصاد وخفض معدلات البطالة التي لا يمكن أن تتحقق إلا بإطلاق يد الإبداع والمبادرات الخلاقة الجديدة وإستدباب “الأمن التشريعي”. ولا نخال القيمين على مصالح البلد يجهلون أن عمليات التسنيد هي من عداد السبل الرئيسية التي تساعد على تأمين مصادر تمويل جديدة خارج الميزانية (off-balance sheet financing) في حال بلغت ميزانية الشركات والمؤسسات الحدّ الأقصى المسموح لها به للتمويل المباشر على ميزانيتها العمومية (on balance sheet) أو حتى في ظل الإرتفاع المقلق للفوائد المصرفية، مما يحدّ من إمكانية تلك الشركات والمؤسسات لتوسيع نشاطاتها التشغيلية. وتبقى العبرة في التنفيذ.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أبيدجان: بيان توضيح وشكر

Share this on WhatsApp  بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت واليه المصير إلى رئيس جاليتنا ...