كتب عمر سعيد: يوم كانت أمي ..

 

 

يوم كانت أمي..
كانت مزراب رحمة يصب الحب في صدورنا الصغيرة ..
كانت بخاراً يتعالى بنكهة المجدرة والكشك المغلي في انوفنا الرقيقة .
كانت أصيص القش الذي منه تشد المكانس اليديوية .
كانت كف الطحين على حواف رغيف، نأكله تسعتنا.
كانت صدر التين المشرح ، و رب البندورة والمشمش المثقوب برؤوس اصابعنا السراقة.
كانت حصير قش البوط تجلبه من الغاب في عميق، يطبع جدلاته في جوانبنا بعد كل نوم .
كانت منجلاً يكوّم السنابل على بيادر القرية كل صيف، لتأتينا بمونة الشتاء.
كانت جنينة بيتنا الخلفية تتباهي بالبصل الاخضر والفجل والبقدونس، نعشق روائحها.
كانت سلة التعظيم المملحة تعلق إلى سقف غرفة المونة بعد كل أضحى.
كانت اشتعال الألوان في صندوق جهازها الخشبي الذي كنت اغفو فيه بعد كل اختباء.
كانت أقراص البرغل والبطاطا المحشوة بالقاورما والبصل على قراني الموقد، تحرق السنتنا التي لا تحتمل الانتظار .
كانت وحول الحوّار الابيض، تخضب كفيها وتطلي اظفارها التي كانت تبيت في شعري كل مساء.
كانت مواويل حزن تحتج على ضيق حالنا.
كانت فشّة خلق الوالد العصبي كلما اقبلت المدارس .
كانت لحافي في كانون القلة والعوز.
كانت وسادتي يوم كانت تسيل عيوني أحلاما.
كانت كل أغاني الريف العتيق في اعراس الساحة.
كانت وكانت وكانت ..
في عيدها يتسللني عنكبوت الشوق، ينسج ذكرياتها على مخيلتي وفي وجداني فلا ارى إلاها.
كل عام وأنت ذكرى جميلة لا تغيب.
أحبك ..

عمر سعيد

بمناسبة يوم الأم

 

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كتب عمر سعيد : الموت الأسود لا يوجع

Share this on WhatsApp    الموت الأسود لا يوجع.. بين الدم والدم ألوان لا تثير ...