الرئيسية » Uncategorized » خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بخير الزاد، وبما رغَّبنا به الله، عندما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. وقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}.

وقد بيَّن أمير المؤمنين (ع) الصورة التي يكون عليها المتقون في الليل والنهار، عندما قال: “أَمَّا اَللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ اَلْقُرْآنِ.. يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ.. وَأَمَّا اَلنَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ اَلْخَوْفُ بَرْيَ اَلْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ اَلنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَيَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ اَلْقَلِيلَ وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ اَلْكَثِيرَ”.

هذه هي الصّورة التي كان أمير المؤمنين (ع) يراها في المتقين، وهو يريدها أن تطبع مجتمعنا، ليكون، كما أراده الله، قوياً وقادراً على مواجهة التحديات، فمن أراد أن يكون أعز الناس، فعليه أن يتقي الله، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

والبداية من لبنان، الذي انتهت فيه القمة العربية الاقتصادية والاجتماعية وما رافقها من جدل.. ونحن في الوقت الذي كنا نرى أن هذه القمة كغيرها من القمم، غالباً ما لا تنتهي بالنتائج المرجوة منها، ولا تلامس التحديات الكثيرة التي تواجه هذا العالم العربي، لكننا نرى أنها، وعلى المستوى اللبناني، أعادت للبنان دوره في العالم العربي، وأظهرته أنه بلد قادر على توفير كل الظروف لانعقاد قمة على أرضه، ولفتت إلى ما يعانيه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، والآثار التي يتركها وجود العدد الكبير من النازحين السوريين على أرضه على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والأمني، والمخاوف التي يعيشها اللبنانيون من استمرار هذا الوجود وعدم تهيئة الظروف لإعادتهم إلى بلادهم بعد عودة أكثر الأراضي إلى حضن الدولة السورية.

ولكن يبقى على المسؤولين اللبنانيين أن يدرسوا الأسباب التي دعت الكثير من الدول العربية إلى خفض مستوى حضورها، للعمل على معالجة ما يمكن معالجته. ولا يخفى أن من بين الأسباب، بل قد يكون من أبرزها، هو عدم وجود حكومة. لذلك من المهم عودة الحراك بعد القمة للعمل على خط تشكيل الحكومة.

وفي هذا المجال، نلاحظ عودة الحديث عن التفاؤل بولادة الحكومة خلال أيام، ونأمل أن يكون هذا التفاؤل في محله، وأن تكون القوى السياسية قد وعت مدى حاجة اللبنانيين إلى حكومة ترعى مصالحهم للخروج من دائرة السقوف العالية والخطوط الحمر التي يرفعها هذا الفريق أو ذاك، وإن كنا لا نزال نرى أن الطبخة الحكومية لم تنضج بعد، لا داخلياً ولا خارجياً، حيث لا يزال كل فريق على موقفه، ولم يتقدم بالخطوة المطلوبة، بل نخشى أن تكون هناك عقدة جديدة قد نشأت بعد حديث المبعوث الأميركي عن تفعيل حكومة تصريف الأعمال.

إنّنا لا نزال نرى أن المشكلة الأساس والعقدة في هذا البلد، تتصل بحالة انعدام الثقة بين القوى السياسية والطوائف والمذاهب، ولذا نخشى ألا يكون الفرق كبيراً بين ولادة الحكومة وعدمها، لجهة النهوض بالبلد.. وإخراجه من أزماته الكثيرة التي تعصف عند حدوده، ووضعه الاقتصادي الصعب، بل يتعدى ذلك إلى المخاوف من تصعيد على مستوى المنطقة قد ينعكس على الساحة اللبنانية.

ولذلك، فإننا نكرر الدعوة إلى لقاء وطني جامع، تتغلّب فيه المكاشفة والصراحة، مهما كانت جارحة، على لغة المجاملة والمداهنة التي تتقنها الجهات اللبنانية في خطابها السياسي، لإخراج البلد من حالة المراوحة التي يعيشها، من خلال دراسة أسلوب التعامل مع القضايا الخلافية الشائكة فيما يتعلق بالنزوح السوري أو العلاقة مع سوريا أو أسلوب مواجهة الخطر الصهيوني ومعالجة هواجس الطوائف والمذاهب والقوى السياسية من بعضها البعض، للوصول إلى صيغة ليس فيها مستأثِر ولا مستأثَر به، ولا غالب أو مغلوب.

ضمن هذه الأجواء، تنكشف كل يوم أكثر من فضيحة فساد في هذه المؤسسة الحكومية أو تلك، وتهدر بسببها أموال طائلة من الخزينة اللبنانية، ما يشير إلى مدى الانحدار الذي وصل إلى هذا البلد على هذا المستوى، ولا سيما أن هؤلاء الفاسدين يحظون بالتغطية والرعاية والحماية.

إن الخروج من هذا الواقع لن يتم إلا عندما تتوافر الحرية والاستقلالية والصلاحية للقضاء وللأجهزة الرقابية، فلا يكفي التهديد بشن الحرب على الفساد حتى يهرول الفاسدون إلى بيوتهم ويكفوا عن الفساد؟!

وفي مجال آخر، يتكرر العدوان الإسرائيلي على العاصمة السورية دمشق، حتى في يوم انعقاد القمة العربية في بيروت، حيث مرت الطائرات فوق رؤوس المؤتمرين.. ومع الأسف، يجري هذا من دون أن تبرز مواقف عربية مستنكرة، وفي ظل صمت مجلس الأمن الدولي الذي تمر أمامه أخبار التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية يومياً، ولا يُحرّك لذلك ساكناً، وربما يطالعنا بعد أيام بالحديث عن انتهاك لبنان للقرار 1701، متناسياً أن الطائرات الإسرائيلية تخرق الأجواء يومياً، وتقوم بممارسة اعتداءات أخرى على الحدود اللبنانية ــ الفلسطينية.

إننا نرى في العدوان الإسرائيلي الجديد، وفي الغارات المتكررة على العاصمة السورية، محاولة جديدة لهز الاستقرار السوري، والحؤول دون أن تصل سوريا إلى مرحلة الاستقرار الأمني، وإلى العافية الاقتصادية والعمرانية، ومحاولة لإيجاد الشرخ بين سوريا وحلفائها، لتحقيق شروط العدو التي نخشى أن تحظى بدعم أكثر من جهة دولية؟!

إننا نقول للعرب، دولاً وشعوباً، إن عليكم أن تعوا خطورة قصف عاصمة عربية بحجم سوريا، لأن السكوت عن ذلك سوف يمهد السبيل للعدو للاعتداء على عواصم عربية أخرى إذا اعترضت على سياساته، على خلفية أن أمنه لا يقف عند حدود بيروت ودمشق، بل يتعداه إلى السودان والعراق، وقد سبق له أن قصف هاتين الدولتين، من دون أن يظنن أحد أنه بمأمن من عدوانه وأطماعه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أبيدجان: المعرض اللبناني مستمر لغاية نهار الأربعاء الواقع في ٠٦/٠٢/٢٠١٩

Share this on WhatsAppيستمر المعرض اللبناني في فندق سوفيتل ايفوار لغاية ٠٦/٠٢/٢٠١٩ يوم الأربعاء في ...