الرئيسية » اخبار لبنان والعالم العربي » أخبار لبنانية » خطاب سماحة الإمام السيد موسى الصدر في ذكرى عروج روح الرسول الأكرم (ص)

خطاب سماحة الإمام السيد موسى الصدر في ذكرى عروج روح الرسول الأكرم (ص)

* تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات بمناسبة ذكرى شهادة النبي محمد (ص)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله محمد وآله الطاهرين. نحن في هذه الأيام نعيش ذكريات عديدة، ذكرى شهادة الرسول الأكرم (ص) وذكرى وفاة الإمام الحسن حسب الرواية، وذكرى وفاة الإمام الرضا (ع). والحقيقة أن المثل المعروف: “كلُّ الصيد في جوف الفِرا” يصدق بالنسبة لذكريات الأئمة وذكرى نبينا العظيم عليهم سلام الله؛ لأن أئمتنا (س) على شرف مقامهم وطيب ذكرياتهم ومواقفهم الموجِّهة المعلِّمة كلها مستقاة من سيرة النبي الأكرم (ص)؛ كل ما يملكون وكل ما يتعلمون وكل ما لهم [من] شرف [من] عند الله سبحانه وتعالى لأنهم نفّذوا أوامر رسول الله وطبقوا سيرته؛ ولذلك، وصلوا إلى ما وصلوا من المقام.

أمير المؤمنين (ع)، سيد الوصيين ونفس النبي الكريم بلغ إلى ما بلغ من المقام، لأنه كان يتّبع خطوات الرسول الأكرم (ص) في كل صغيرة وكبيرة. وفي الحقيقة كان مرآة صافية مشرقة تعكس حياة الرسول وسيرته، والأئمة (س) أيضًا من هذا النوع.

فنحن نعلم أن الوحي الإلهي والتعاليم السماوية انقطعت بوفاة الرسول الكريم، بعد الرسول ليس لأحدٍ شيء من عند الله مباشرة. كل وحي السماء وجميع تعاليم الله كانت هي التي نزلت على رسول الله وبلَّغها إلى أمته أو أودعها عند بعض الصالحين من أصحابه، وحسب رأينا والروايات المتواترة أودعها عند علي بن أبي طالب (ع). وهو بلَّغ، وما قال بعد رسول الله (ص)، وما قال أبناؤه بعد ذلك فكل هذا كان من علم الرسول (ص). فإذًا، سيرة الرسول هي سيرة الجميع وذكرى رسول الله ذكرى جميع الصالحين من أمته وفي طليعة هذه الأمة الأئمة الأطهار عليهم السلام.

فإذا تحدثنا عن سيرة الرسول تحدثنا عن جميع الذكريات، أما أمير المؤمنين (س) يقول: أنا عبد من عبيد محمد. وهكذا كان لأن التعليم كان من الرسول والتعليم مقتضاه السيادة؛ الإنسان الذي درس عند أحد وتعلم من أحد، أصبح عليه حق وعليه واجب بالنسبة لأستاذه. فأمير المؤمنين (ع) والأئمة الأطهار كلهم تلاميذ رسول الله وأبناء أمته، اعتزازهم بموالاة الرسول ومتابعته كان أكثر من اعتزازهم بأنهم أبناء الرسول. أما سيرة الرسول فسيرة تملأ الدنيا بالخير والهداية والتوجيه ولا يمكننا أن نتحدث في يوم واحد عن سيرته.

ولكني كنت أفكر ماذا أقول عن هذه السيرة الطاهرة، فلفت نظري أو دخل في ذهني أول شيء الخُلق الكريم الذي يصفه رب السماء في القرآن الكريم قائلًا: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم، 4]. أخلاق الرسول وسيرته مع الناس شيء عظيم، ولا شك أنه كان على جانب كبير من الأخلاق، وهذه الأخلاق كانت تسهّل مهمته الرسالية فـ﴿لو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران، 159]. نجاح رسول الله (ص) في أمته وفي دعوته كان ناتجًا عن أخلاقه العالية وسلوكه الطيب مع الناس. القرآن الكريم يصف خُلق الرسول في آيات متعددة فيصفه أنه كان﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة، 128]. ويصفه بأنهم قالوا عنه أنه أُذُنْ، يعني يستمع لكل ما يقال له. والقرآن الكريم يقول: ﴿أُذُنُ خيرٍ لكم﴾ [التوبة، 61] أن يستمع إلى مشاكلكم وإلى مسائلكم كمال للرسول الأكرم (ص) وليس فيه ضرر. ويصفه أيضًا في الآيات القرآنية الأخرى بصور مختلفة وبآداب متنوعة، فيذكره أنه كان كثير الحياء حينما يصف كيفية سيرة الناس مع رسول الله (ص) أنهم كانوا يدخلون إلى البيت من دون إذنه، وأنهم كانوا ينادونه من وراء الحجرات، وأنهم كانوا يأكلون ثم يجلسون فيزعجونه… فيقول الله سبحانه وتعالى مؤكدًا لهم إنكم بهذه السيرة تزعجون وتؤذون النبي وهو يستحي منكم، الحياء كان من أولى سِيره الطاهرة، فهو كما يصف الإمام كان أديب الله، يعني أن الله سبحانه وتعالى أدّبه وأحسن تأديبه.

في السِير نجد بالفعل أشياء غريبة ربما لا يتمكن الإنسان من تقدير موقف الرسول في هذه الأماكن. أستعرض بعض الصور الجميلة في حياة الرسول، أنه كان كما يصفه أصحابه: كان بيننا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويلبينا إذا ناديناه. وكان يجلس في المسجد كالحلقة يدخل الأعرابي [الذي] لا يعرف محمدًا (ص) فيسألهم: أيكم محمد؟ لا يمتاز عن الآخرين في المجلس أو في السلوك. وكان يمشي كما يقول الحديث مشية العبد، كان يمشي باستحياء وبتواضع لا متكبرًا ولا مغرورًا: ﴿إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا﴾ [الإسراء، 37]. فكان متواضعًا في سلوكه، متواضعًا في مشيه، ومتواضعًا في كلامه، حييًا مع الناس؛ وكان يصبر على أذى الناس كثيرًا، فحينما كانوا يبادرونه ويتحدثون معه بكلمات قاسية وكلمات ناشفة كان يصبر عليهم.

دخل عليه أعرابي وكان على كتفه رداء خشنًا فاجتذب الرداء -الرداء الخشن على عنق الرسول- جذبه حتى جرح عنق الرسول (ص) وكان معه بعيرًا قال له: يا محمد، احملْ بعيري -أو ناقتي أو الشيء الذي عنده- من مال الله فإنه ليس مالك ولا مال أبيك. بهذه الصلافة وبهذه القسوة كانوا يخاطبونه، لكنه رسول جاء حتى يربي الناس، إذا يريد أن (يزعل) فيبعد… هؤلاء إلى من يذهبون؟ إنهم عباد الله، والله يحب خلقه مهما كانوا منحرفين. فكان من اللازم أن يصبر حتى يتأدبوا وحتى يتهذبوا. قال له: طيب، حاضر. فملأ بعيره أو ما عنده من الخُرج من القمح لأنه كان رجلًا فقيرًا، ثم قال له: يا أعرابي لقد بقي شيء آخر إنك جرحت عنقي فلي عندك حق، حق القِوَتْ… حق الجرح بالمثل لأن الجروح قصاص. فقال له: يا محمد، أنت لا تعمل ذلك. قال: لماذا؟ قال: لأنك كريم.

فهذه المعرفة كانت مقترنة بتلك القسوة وهكذا نجد سلوكه مع الآخرين. دخل عليه أحدهم حينما كان يقسّم غنائم بدر، فقال له: يا محمد، اعدلْ، كن عادلًا. فقال له: ويحك، من الذي يعدل، إذا أنا ما عدلت؟! وفي الحقيقة ماذا يعرف الأعرابي الذي كان يقتل الإنسان لأجل بصلة، ماذا يعرف من العدل والحق؟ كان يعرف الظلم والطغيان والسيطرة.

هؤلاء ينصحون محمدًا، ويقولون له: يا محمد، اعدلْ… فكان يصبر عليهم وكان يستجيب لدعواتهم وكان يدخل في بيوتهم وكان يجلس معهم وكان يتحمل أذاهم حتى يربيهم؛ وبالفعل رباهم وأخرج منهم أمة هي: ﴿خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران، 110]، ملأ الدنيا بالخير والعدل والحق… كان يتفقد الجميع وينتظر أي مشكلة لكي يسعى لأجل حلها وينصح الناس في أمور دينهم وأمور دنياهم.

في بعض الأخبار أن الرسول الأكرم (ص) ما سبق أن تخلف عن الوعد، ما وقف مع أحد وودعه قبل أن يودعه صاحبه، ما كان عند المصافحة… حينما كان يصافح الناس ما كان يسحب يده قبل يد الآخر. مسائل تقال باللفظ وترى أنها سهلة ولكنها صعبة جدًا. هذا الرجل حينما يعامل الناس القساة الجافين بهذا اللطف وهذه الكرامة، وكان يعامل خصومه وأعداءه، محارباته كلها كانت دفاعًا عن النفس.

في بعض الآثار أنه كان في المدينة يهودي فكان يتفقد ساعات مرور الرسول الأكرم (ص) من الطريق القريب إلى بيته، لكي يُهين رسول الله فيرمي أوساخًا وزبالة يصادف أن تنصب على رأس الرسول (ص). وكان يكرر هذا العمل، بطبيعة الحال نحن نعرف أن الرسول كان حاكمًا وكان قادرًا عليه، ولكنه كان يصبر لأنه ليس هناك من سند لإدانته… فالرجل في داخل بيته، فيقول من باب الصدفة وقعت على رأس النبي. وإن كان في قلبه مرض ولكنه لا يُدَان لأن الجريمة يجب أن تكون منصوصة في القانون، وإلا فلا يُعذب ولا يُعاقب الإنسان بالأسباب المادية لهذه التصرفات. صبر الرسول عليه وحاول أصحابه سلام الله عليهم ورضوان الله عليهم أن يؤدبوا اليهودي فرفض. ثم أصبح اليهودي مريضًا وما تمكن أن يمارس عمله فترة من الزمن، فسأل عنه الرسول في بعض رحلاته وبعض تحركاته، وقال: كان لنا هنا شخص يتفقدنا، قالوا: إنه مريض يا رسول الله؛ قال: فلنعُدْه، فدخل إلى بيته وقصده للعيادة. فالرجل حينما وجد أن الرسول دخل بيته غطى وجهه باللحاف نتيجة للحياء، ماذا يقول أمام هذه الإنسانية التي تذيب الصخر؟ مهما كان في قلب هذا الرجل من لؤم ومن عناد حينما يدخل عليه الرسول بعد هذه السوابق عائدًا سائلًا عن صحته، يستحي، وحينئذٍ يكمّل الحديث ويقول أنه أسلم -هذا الرجل- أمام هذه الأخلاق العالية التي لا يمكن أن يحملها أحد إلا النبيين فشهد بوحدانية الله وبرسالة رسول الله.

أخلاق الرسول معروفة وكثيرة ولا يمكنني أن أستعرضها ولكن الذي أحب أن أقوله إن الرسول الأكرم كان قدوة لأمته. ولذلك القرآن الكريم حينما يستعرض يتحدث عن محمد وعن: ﴿الذين آمنوا معه﴾ [البقرة، 214] وعن المهاجرين والأنصار وعن الذين وصفتهم الكتب السماوية بالأوصاف المعروفة كما يستعرضها القرآن الكريم، المهم ماذا عندنا من الأخلاق المحمدية؟

هو ربّى أمته، هل نترك نحن هذه التربية تذهب هباءً؟ إذا نحن ما تعلمنا في الحقيقة قللنا قيمة سعي النبي وجهاده، من الذي يصلح أن يستقي منه الإنسان خيرًا وعافيًة وأخلاقًا وتعلمًا أكثر من هذه السيرة الحميدة؟ السيرة التي هي سيرة واقعية، يعني الصبر على الناس وإذا وجد أن هذه الأخلاق السيئة تؤدي إلى الظلم على الناس الآخرين، إذا وجد أن هذا الرجل الذي يصبر على مكروهه يظلم الناس ويتعدى على الناس، حينئذٍ كان يتأثر ويزأر ويخرج وينتقم. لا يسمح إذا كان الإنسان يعامله معاملة اليهودي، إذا كان الإنسان يقسو عليه بالكلام إذا كان واحد يعذبه ويؤدبه، كان يصبر عليه طالما ليس هناك من ضرر؛ ولكن إذا أراد أحدهم أن يتعدى على الآخر، أو أن يمنع تقدم الآخر، أو أن يربي الظالم، أو أن يشجع المكروه أو المنكر فكان يقف موقفًا صارمًا.

فإذًا، الأخلاق الكاملة ليست بمعنى المجاملة والمسايرة والنعومة في كل مكان. في مكان ما، يجب أن يكون الإنسان ناعمًا صبورًا وإذا وجد أن هذا الصبر يؤدي إلى طغيان الظالم، بالعكس. نحن أمام سيرة الرسول الأكرم (ص) علينا أن نمثل وأن نجسد وأن نطبق تلك السيرة حتى نكون بجد أمته؛ وإذا سألنا أحدهم ما هو أثر تربية الرسول في حياتكم؟ هل نحن نشبه الرسول الأكرم في الأخلاق؟ سؤال أوجهه إلى نفسي وكل منا يوجهه إلى نفسه، ما هو الشبه بيني وبين رسول الله في الأخلاق؟ ما هو الشبه بينك وبين رسولك رسول الخير ﴿رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء، 107]، ما هو الشبه بينك وبينه؟ فهل يصلح أن نسمي أنفسنا من أمته إذا لم نكن في شَبهٍ تام معه في السيرة.

وتبلغ الأخلاق الكريمة العالية قمتها حينما توجه الخطاب في آخر يومٍ خرج إلى المسجد مريضًا، يخاطب الناس بعد أن قدّم خلال حياته الخير والعز والكرامة… رفع شأن هذه الأمة المغمورة المحتقرة فجعلها خير أمة للناس، بعد أن علمهم العلم والحضارة والثقافة، بعد أن هذّب نفسياتهم العنيفة، بعد أن جعلهم في مصاف الأمم المتحضرة، بعد أن جعلهم رسل الحضارة والثقافة في العالم، بعد أن صبر على قسوتهم وشدتهم وسوء خُلقهم، بعد أن حُورِب، وبعد أن أُهين، وبعد أن عُذِّب كما لم يعذَّب نبي من قبل… في آخر يوم يقف ويقول: أيها الناس، من جلدتُ له ظهرًا، فهذا ظهري، ومن أخذتُ منه مالًا فهذا مالي – ما مضمونه – ولا يخافنّ أحدكم الشحناء فإنها ليست من شأني. في آخر لحظة حينما يريد أن يودع الأمة يطلب منهم أنهم ينتقموا منه إذا أصاب أحدهم بسوء.

هذه الأخلاق بحد ذاتها معجزة إلهية وسند لصدق الرسول نذكرها باعتزاز وبأمل أن الله سبحانه وتعالى يمنّ علينا لكي نتمكن من المتابعة لكل هذه السيرة أو لبعض هذه السيرة.

والسلام عليكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الامام قبلان يستكر العدوان الاسرائيلي

Share this on WhatsAppاستنكر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى سماحة الإمام الشيخ عبد الامير قبلان ...