الرئيسية » اخبار لبنان والعالم العربي » أخبار لبنانية » خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

خطبة الجمعة للعلامة السيد علي فضل الله

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي ونحن نستعيد ذكرى فتح مكة التي تمرّ علينا اليوم في الرابع والعشرين من شهر رمضان، بأن نستهدي بهدى رسول الله(ص)، فهو رغم كلّ القوة التي توافرت له عندما دخل مكة، لم يدخلها دخول الفاتحين الذين يستعرضون قوتهم أمام من انتصروا عليهم، أو دخول من يريد الثأر من أهلها الذين آذوه أذى قال عنه: “ما أوذي نبيٌّ مثلَما أوذيتُ”، وتآمروا عليه حتى أخرجوه منها، ولم يكفوا عنه بعد أن هاجر إلى المدينة، بل أعلنوا الحرب عليه؛ تلك الحرب التي قُتل فيها أعز الناس لديه.

لقد دخلها بقلب خاشع ومليء بالرحمة، دخلها، كما تقول السيرة، وذقنه على راحلته، ساجداً لله، يردد عبارات الشكر والثناء له سبحانه، وقد حرص على أن لا يرفع أي شعار مستفز، فطلب من علي (ع) أن ينادي بالناس: “اليوم يوم المرحمة، اليوم تحمى الحرمة”، وأمر أن لا يتعرض أحدٌ لأحد من أهلها.

وعندما اجتمعت إليه قريش برجالها ونسائها، سألهم: “ماذا ترون أني فاعل بكم وما تظنون!”، فقالوا:

“أخ كريم وابن أخ كريم”، فنحن لا نعهدك إلا بذلك، فقال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، فأنا لا أتحرك من وحي ردود فعل، أنا صاحب رسالة، وكل دوري معكم في كلّ ما قمت به، أن أنتشلكم من جهلكم وتخلفكم، وأن تحترموا إنسانيتكم، أن لا تعبدوا حجراً ولا بشراً، بل أن تعبدوا الله الذي يريد كل الخير بكم. لم يفرض الرسول (ص) عليهم أن يدخلوا في الإسلام، ولم يشترط العفو عنهم بذلك، بل ترك لهم الحريَّة، لكنهم عادوا وأسلموا بعدما رأوا الإسلام بكل رحمانيته أمامهم، وراحوا {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً}.

هذا هو رسول الله(ص)، الذي كان في كل حياته، وفي رسالته، تعبيراً عملياً، قال الله سبحانه عنه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. لقد بلغ رسول الله القلوب ودخل إلى العقول، لا من موقع ضعف، بل قوة، ولو كان غير ذلك لانفضوا من حوله ولتفرقوا عنه.. بهذه الروح، نصل إلى قلوب الناس وعقولهم، ونواجه التحديات.

 

والبداية من لبنان، حيث لا يزال اللبنانيون ينتظرون من القوى السياسية أن تفي بالتزاماتها التي وعدت بها عشية الانتخابات، بتفعيل عمل المؤسسات، لتساهم في حل الأزمات التي يعانيها البلد على مستوى محاربة الفساد، أو لعلاج المشاكل المستعصية والمتراكمة أو تداعيات ما يجري من حوله، فبعد استكمال عقد المجلس النيابي، هم ينتظرون الإسراع في تأليف الحكومة التي يقع عليها عبء تنفيذ كل هذه الوعود والالتزامات.

ومع الأسف، فهذا ما لم يلمسه اللبنانيون بعد، ولم تظهر جديته، في ظل الشروط التعجيزية أو غير الواقعية، سواء تلك التي تتعلق بالشكل، أو بتحديد الأحجام، أو في توزيع الحقائب، أو بمشاركة هذا الفريق السياسي أو ذاك، ما يجعل هذه المهمة صعبة.

ونحن في ذلك نعيد دعوة كلّ القوى السياسية إلى أن تكون جادة في دعواتها إلى الإسراع في تأليف الحكومة، وتنفيذ وعودها تجاه مواطنيها، وعدم الإصغاء إلى إملاءات من هنا وهناك.. وهذا لن يحصل ما لم تتواضع في مطالبها، وتأخذ بالحسبان مصلحة الوطن.. فالوطن لا يبنى إلا ببذل التضحيات وتقديم التنازلات وتحقيق المشاركة بين كل مكوناته.

في هذا الوقت، طغى مرسوم التجنيس على ما عداه، بفعل التجاذب السياسي الموجود في البلد، ولما تركه هذا المرسوم من علامات استفهام حول الأسباب التي دعت إليه في هذه المرحلة، والخلل الّذي قد ينتج منه على المستوى الطائفي أو السياسي، وما يتعلق بملف توطين الفلسطينيين أو السوريين.

ونحن في هذا المجال، لن ندخل في ما دخل به البعض من المسّ بالخلفيات التي دعت إلى هذا القرار، ولكنّنا كنا نأمل أن يُقارب بمنتهى الشفافية والوضوح، نظراً إلى تداعيات مثل هذا القرار على صورة العهد الّذي نصرّ على أن لا يشوبه أيّ شيء، وهو الذي أخذ على عاتقه مواجهة الفساد وبناء الدولة القوية. ومن أولويات ذلك، الشفافية وفق القاعدة التي تقول إنَّ علينا ألا نفعل شيئاً في السر نستحي منه في العلن.

إنّ ما جرى يستدعي الإسراع في توفير كل السبل لتحديث قانون الجنسية، بحيث لا يخضع للاستنسابية، فيحرم فيه أولاد المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي من الجنسية أو من قدموا خدمات جليلة للوطن.

وفي مجال آخر، وفي إطار مكافحة المخدرات، فإننا ننوه بالجهود التي تقوم بها القوى الأمنية في ملاحقة تجار المخدرات ومروجيها، كما حصل في الأيام السابقة، ونأمل أن يستمر ذلك على مختلف المستويات، مع رفع الغطاء الكامل عن كل من يخل بالأمن الاجتماعي للناس، نظراً إلى التداعيات التي تحصل من هذه الآفة التي باتت تفتك بشبابنا وشاباتنا، وتهدد النسيج الاجتماعي والعائلي والأمني الداخلي.

ونصل إلى يوم القدس، الَّذي يأتي في كلّ سنة في مثل هذا اليوم، ليذكرنا بالقضية التي ينبغي ألا تغيب عن بالنا، حتى نجعلها قبلة قضايانا، ولا سيَّما في هذه المرحلة، بعد قرار الرئيس الأميركي نقل سفارته إليها وإعلانها عاصمة للعدو.

ونحن عندما نتحدث عن القدس، فإننا لا نراها قضية خارجية، فهي تقع في عمق قضايانا، فالقدس بالنّسبة إلينا هي قضية تتصل بإنسانيتنا، لأنها تشير إلى ظلم شعب انتهكت كرامته، وهي قضية تتصل بالرسالات السماوية، فهي مهد السيد المسيح (ع) وقبلة المسلمين الأولى ومسرى رسول الله(ص) ومعراجه.. وهي تمثل عنواناً للقضية الفلسطينية التي إن تركناها وسمحنا لها بأن تسقط، فسيؤدي ذلك إلى أن تستباح مقدساتنا وأراضينا كلها.

إننا نريد لهذه المناسبة أن تكون محطة لاستنهاض الشعوب العربية والإسلامية، ولإعادة توجيه بوصلتها نحو القدس، بعدما ابتعدت عنها، ولتأكيد وقوفنا مع الشعب الفلسطيني في نضاله ومواجهته لغطرسة العدو، ومع كل الذين يعملون في الليل والنهار لإبقاء هذه القضية حاضرة في العقل والقلب والوجدان.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لا بحث جديا في مشاورات تشكيل الحكومة… والصورة سوداوية

Share this on WhatsAppرسمت مصادر نيابية مطّلعة على مشاورات تأليف الحكومة ، صورة سوداوية لمجريات ...